الشيخ محمد رشيد رضا

288

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والكفر به وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا وهو قولهم نحن أبناء اللّه وأحباؤه ونحن أهل الصلاة والصيام . وهذا وجه وجيه وهو الذي اختاره ابن جرير وبمثل هذا العموم يوجه نزولها في المنافقين الأستاذ الامام : كان الكلام في أهل الكتاب لتحذير المسلمين من مثل فعلهم في سياق الحض على الاستمساك بعروة الحق وحفظه والدعوة اليه إذ أخذ على أولئك الميثاق فقصروا فيه وتركوا العمل بالكتاب وتبيينه للناس واشتروا به ثمنا قليلا فاستحقوا العقاب من اللّه تعالى . بعد هذا بين في هذه الآية حالا آخر من أحوال أولئك الغابرين ليحذر المؤمنين منه لأنهم عرضة له وهو انهم كانوا يفرحون بما أتوا من التأويل والتحريف للكتاب ويرون لأنفسهم شرفا فيه وفضلا بأنهم أئمة يقتدى بهم وهذا فرح بالباطل ، وكانوا يحبون أن يحمدوا بأنهم حفاظ الكتاب ومفسروه وعلماؤه ومبينوه والمقيمون له ، وهم لم يفعلوا شيئا من ذلك وانما فعلوا نقيضه إذ حولوه عن الهداية إلى ما يوافق أهواء الحكام وأهواء سائر الناس يطلبون بذلك حمدهم . بين اللّه هذه الحال في أسلوب عجيب بين فيه حكما آخر وهو ان هؤلاء الفرحين المحبين للمحمدة الباطلة قد اشتبه أمرهم على الناس فهم يحسبون أنهم أولياء اللّه وأنصار دينه وعلماء كتابه وأنهم أبعد الناس عن عذابه وأقربهم من رضوانه فبين اللّه كذب هذا الحسبان ونهى عنه وسجل عليهم العذاب أقول : ان هذه الآية على عمومها مبينة لشئ من الثمن الذي استبدلوه بكتاب اللّه وكونه بئس الثمن ، وهو أمران « أحدهما » فرحهم بما اتوه من الأعمال فرح غرور وخيلاء وفخر على أن منه نبذ كتاب اللّه بترك العمل به وعدم تبيينه على وجهه إما بتحريفه عن مواضعه ليوافق أهواء الحكام أو أهواء الناس ، وإما بالسكوت عنه والأخذ بكلام العلماء السابقين تقليدا بغير حجة الا ادعاء أنهم كانوا أعلم بالكتاب وأنهم ان خالفوا بعض نصوصه فلا بد أن يكون عندهم دليل أوجب عليهم ذلك « وثانيهما » حب المدح والثناء بالباطل فإنهم يتبعون أهواء الحكام والناس في الدين ويحبون أن يحمدوا بأنهم يبينون الحق لوجه اللّه لا تأخذهم فيه لومة لائم فان الحاكم أو غير الحاكم إذا احتاج إلى عمل يرضى به هواه وشهوته مما يحظره عليه الدين فلجأ إلى العالم فعلمه حيلة